
بقلم: ممدوح أمين – القاهرة، 16 فبراير 2026
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية توسيع خيارات الدفع لبرنامج “الهدايا لتقليل الدين العام”، مما يسمح للمواطنين بالتبرع عبر تطبيقات مثل فينمو (Venmo) وبيبال (PayPal) للمساهمة في سداد الدين الوطني الذي يتجاوز 38 تريليون دولار. هذا الإعلان، الذي جاء في يوليو 2025، لم يكن جديداً تماماً، إذ يعود البرنامج إلى عقود مضت، لكنه أصبح محور نقاشات ساخرة وجادة حول جدوى مثل هذه المبادرات في مواجهة أزمة الديون المتفاقمة في الولايات المتحدة

خلفية البرنامج: تاريخ طويل من التبرعات الطوعية
يُدار البرنامج من قبل مكتب الخدمة المالية (Bureau of the Fiscal Service) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، ويسمح للأفراد والشركات بتقديم تبرعات طوعية لتقليل الدين العام وفقاً للقانون الفيدرالي (31 U.S.C. § 3113). بدأ البرنامج رسمياً في عام 1961، لكنه يعود جذوره إلى عام 1843، حيث كان يقبل الهدايا النقدية أو السندات الحكومية لتخفيض الدين. وفقاً للبيانات الرسمية، بلغ إجمالي التبرعات منذ عام 1996 حوالي 67.3 مليون دولار فقط، وهو مبلغ زهيد يعادل تقريباً 20 دقيقة من نمو الدين اليومي. ومع ذلك، يؤكد الموقع الرسمي أن هذه التبرعات تُودع مباشرة في حساب “الهدايا لتقليل الدين العام”، ولا تقدم أي مقابلات أو خدمات للمتبرعين.
في السنوات الأخيرة، شهد البرنامج تطوراً تقنياً، حيث أضيفت خيارات الدفع الإلكتروني مثل الحسابات المصرفية، البطاقات الائتمانية، وبعد ذلك فينمو وبيبال في عام 2025. هذا التوسع جاء كرد على الطلب المتزايد على الدفعات الرقمية، لكنه أثار تساؤلات حول ما إذا كان يعكس يأساً حكومياً أم مجرد تحديث إداري روتيني.
حجم الدين الوطني: أرقام مذهلة
يبلغ الدين الوطني الأمريكي حالياً أكثر من 38 تريليون دولار، مما يعني حوالي 107,000 دولار لكل مواطن أمريكي. هذا الرقم ينمو بمعدل يومي يتجاوز ملايين الدولارات، مدفوعاً بالإنفاق الحكومي على الدفاع، الرعاية الصحية، والضمان الاجتماعي، بالإضافة إلى الفوائد المتراكمة. وفقاً لساعة الدين الوطني (US Debt Clock)، التي تراقب هذه الأرقام في الوقت الفعلي، يمثل الدين نسبة تصل إلى 120% من الناتج المحلي الإجمالي.

رغم ذلك، يبقى البرنامج رمزياً إلى حد كبير. ففي السنوات من 2020 إلى الآن، بلغ متوسط التبرعات الشهرية حوالي 120,000 دولار، وهو لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من الفوائد اليومية على الدين. أكبر تبرع فردي سُجل كان 2.8 مليون دولار في فبراير 2019، لكنه لم يحدث فرقاً ملحوظاً.
ردود الفعل: بين السخرية والجدية
أثار الإعلان عن قبول فينمو وبيبال موجة من التعليقات على وسائل التواصل، خاصة على منصة إكس (تويتر سابقاً). منشور فيروسي من NPR أبرز الصفحة الرسمية على Pay.gov، مما أدى إلى انتشار الخبر كـ”حقيقة طريفة” أو “كسر خبري”. على سبيل المثال، نشر حساب @OnlyOTrades صورة ساخرة تقول: “الولايات المتحدة تقبل التبرعات لسداد ديونها… فقط 38.64 تريليون دولار متبقية!”، مضيفاً أنها تقبل فينمو. كما علق حساب @MSIngawa: “الحكومة الأمريكية تقبل الآن التبرعات عبر فينمو وبيبال لتقليل 36.7 تريليون دولار…
من جهة أخرى، رأى بعض المحللين في هذا البرنامج تذكيراً بمسؤولية المواطنين، مستذكرين كلمات الرئيس السابق جون كينيدي: “لا تسأل ماذا يمكن لوطنك أن يفعل لك، بل ماذا يمكنك أن تفعل لوطنك.” ومع ذلك، ينتقد آخرون البرنامج كدليل على فشل السياسات المالية، حيث يعتمد الدين على الضرائب والسندات، لا على التبرعات الطوعية.
هل التبرعات حل حقيقي؟
من الناحية الاقتصادية، يُعتبر البرنامج غير فعال، إذ أن التبرعات تمثل أقل من 0.0002% من الدين الإجمالي. يرى الخبراء أن الحلول الحقيقية تكمن في إصلاحات هيكلية مثل تقليل الإنفاق، زيادة الضرائب، أو نمو اقتصادي أقوى. ومع ذلك، يساهم البرنامج في تعزيز الوعي العام بالدين، خاصة في ظل الجدل السياسي حول سقف الدين والميزانية الفيدرالية.
في سياق عالمي، يبرز هذا البرنامج كمثال فريد، حيث لا تتبع معظم الدول مثل هذه الآليات. على سبيل المثال، في مصر أو دول الشرق الأوسط، تعتمد إدارة الديون على الإصلاحات الاقتصادية والمساعدات الدولية، لا على التبرعات الفردية.
| السنة المالية | المبلغ الإجمالي (دولار) | |
|---|---|---|
| 1991 | 1,337,064 | |
| 1992 | 4,547,927 | |
| 1993 | 1,843,136 | |
| 1994 | 20,712,324 | |
| 1995 | 7,344,458 | |
| 1996 | 1,985,175 | |
| 1997 | 955,897 | |
| 1998 | 1,535,541 | |
| 2003 | 1,277,423 | |
| 2004 | 630,000 | |
| 2010 | 11,000,000 | |
| 2011 | 3,300,000 | |
| 2012 | 7,700,000 | |
| 2013 | 2,200,000 | |
| 2022 | 180,310 | |
| 2025 | 834,550 |
جدول يلخص التبرعات السنوية الرئيسية منذ التسعينيات
رمزية في زمن الأزمات
رغم أن فتح باب التبرعات عبر فينمو وبيبال يبدو كخطوة عصرية، إلا أنه يعكس عمق أزمة الديون الأمريكية أكثر مما يحلها. مع استمرار نمو الدين، يبقى السؤال: هل ستكون التبرعات الطوعية جزءاً من الحل، أم مجرد قصة طريفة في تاريخ الاقتصاد الأمريكي؟ في النهاية، يدعو البرنامج إلى تفكير جماعي في المسؤولية المالية، لكنه يذكرنا بأن الحلول الكبرى تأتي من السياسات، لا من الجيوب الفردية.



