دروس من الحياةعاجل

  ساعة يوم القيامة تعلن اقتراب الدمار العالمي

 

في عالم يتسارع فيه التقدم التكنولوجي والتوترات الجيوسياسية، تقف ساعة يوم القيامة كرمز حي لمدى قرب البشرية من كارثة شاملة. هذه الساعة الرمزية، التي لا تتوقف عقاربها عن التحرك نحو منتصف الليل الذي يمثل “القيامة” أو الدمار الكامل، تمثل تقييماً علمياً للتهديدات الوجودية التي تواجه كوكبنا. في أحدث تحديث لها، تم تقديم ميعادها إلى 85 ثانية فقط من منتصف الليل، وهو أقرب ما وصلت إليه في تاريخها الذي يمتد لأكثر من 75 عاماً.

 التحديث الأخير: 85 ثانية إلى الدمار

في 27 يناير 2026، أعلنت نشرة العلماء الذرية (Bulletin of the Atomic Scientists) عن تقديم عقارب الساعة من 89 ثانية إلى 85 ثانية قبل منتصف الليل. هذا التحريك يأتي كرد فعل على تصاعد المخاطر العالمية، بما في ذلك الحاجة الملحة إلى الحد من الترسانات النووية، وإنشاء إرشادات دولية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وتشكيل اتفاقيات متعددة الأطراف لمواجهة التهديدات البيولوجية العالمية. يعكس هذا التحديث مخاوف الخبراء من أن العالم يقترب أكثر من أي وقت مضى من كارثة نووية أو بيئية أو تكنولوجية، مع التركيز على التوترات الجيوسياسية المستمرة والتقدم غير المنظم في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والأسلحة البيولوجية.

يأتي هذا التحديث في سياق عالمي معقد، حيث أدت الحروب المستمرة، مثل الصراع في أوكرانيا، والتغيرات المناخية المتسارعة، إلى زيادة الضغط على الاستقرار العالمي. الخبراء يرون أن هذه التعديلات ليست مجرد أرقام، بل دعوة عاجلة للعمل الدولي لتجنب الكارثة.

  من صاحب فكرة ساعة يوم القيامة؟

تعود فكرة ساعة يوم القيامة إلى عام 1947، عندما أنشأتها نشرة العلماء الذرية، وهي منظمة غير ربحية تهدف إلى تعزيز الوعي العام بالمخاطر النووية. كان المحرر المشارك هيمان غولدسميث قد طلب من الفنانة مارتيل لانغسدورف (Martyl Langsdorf) تصميم غلاف لعدد يونيو 1947 من النشرة. كانت مارتيل زوجة ألكسندر لانغسدورف، الذي كان فيزيائياً شارك في مشروع مانهاتن الذي طور القنبلة الذرية. بدلاً من رمز اليورانيوم، رسمت مارتيل وجه ساعة لتعبر عن الإلحاح في السيطرة على الأسلحة الذرية، وسط نقاشات العلماء حول عواقب القنبلة ومسؤولية الجمهور.

كانت الفكرة الأساسية مستوحاة من القلق الذي شعر به العلماء بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة مع بداية سباق التسلح النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. منذ ذلك الحين، أصبحت الساعة أيقونة عالمية للتحذير من المخاطر البشرية.

  كيفية عمل ساعة يوم القيامة

تعمل ساعة يوم القيامة كاستعارة رمزية، لا كساعة حقيقية. يمثل منتصف الليل “يوم القيامة” أو الدمار الكامل للبشرية بسبب التكنولوجيا البشرية الصنع. بدأت الساعة بالتركيز على المخاطر النووية، خاصة سباق التسلح الأمريكي-السوفيتي، ثم أدرجت في عام 2007 التغيرات المناخية كعامل رئيسي آخر. اليوم، تشمل التقييمات تهديدات مثل الذكاء الاصطناعي غير المنظم والأسلحة البيولوجية.

يحدد الوقت مجلس العلوم والأمن (Science and Security Board – SASB) التابع للنشرة، وهو يتكون من علماء وخبراء في التكنولوجيا النووية والعلوم المناخية. يجتمعون مرتين سنوياً، يستشيرون زملاء من تخصصات متنوعة، ويأخذون آراء مجلس الرعاة الذي يشمل ثمانية فائزين بجائزة نوبل. في البداية، كان المحرر يوجين رابينوفيتش يتخذ القرار حتى وفاته في 1973، ثم تولى مجلس النشرة المسؤولية حتى 2008، عندما أصبح SASB المسؤول الرسمي.

لا تتحرك الساعة تلقائياً؛ بل يتم تعديلها بناءً على تقييمات الخبراء للأحداث العالمية، مثل الاتفاقيات النووية أو النزاعات الدولية. تم تعديلها 27 مرة منذ إنشائها.

 الهدف من ساعة يوم القيامة

الهدف الرئيسي من الساعة هو تذكير البشرية بالمخاطر الوجودية التي تتطلب تدخلاً فورياً لضمان البقاء. إنها أداة للتحذير العام من التهديدات الناتجة عن التكنولوجيا الخطرة، مثل الأسلحة النووية والتغيرات المناخية. تهدف إلى حث الحكومات والجمهور على اتخاذ إجراءات لتجنب الكارثة، مثل خفض الترسانات النووية أو مكافحة الاحتباس الحراري. ليست الساعة تنبؤاً بالنهاية، بل دعوة للعمل الجماعي لتغيير المسار.

   التعديلات الرئيسية لساعة يوم القيامة

شهدت الساعة تغييرات عديدة تعكس الواقع العالمي:
–  1991 : تم تراجعها إلى 17 دقيقة قبل منتصف الليل، بعد معاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، إيذاناً بانتهاء الحرب الباردة.
–  2017 : تقدمت إلى دقيقتين ونصف قبل منتصف الليل.
–  2018 : إلى دقيقتين فقط.
–  2020 : إلى 100 ثانية.
–  2023 : إلى 90 ثانية.
–  2025 : إلى 89 ثانية.
–  2026 : إلى 85 ثانية، وهو الأقرب على الإطلاق.

 

ساعة يوم القيامة ليست مجرد رمز، بل صرخة علمية للعالم. مع اقترابنا إلى 85 ثانية من الدمار، يجب أن نرى فيها فرصة للتغيير. الخبراء يؤكدون أن العمل الدولي المنسق يمكن أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، لكن التقاعس قد يؤدي إلى عواقب لا يمكن إصلاحها. في زمن الذكاء الاصطناعي والتهديدات البيولوجية، هل سنستمع إلى هذا التحذير، أم ننتظر دقات منتصف الليل؟

زر الذهاب إلى الأعلى