كليات للزراعة والطب البيطري في قلب الدلتا الجديدة.. مقترح لسد الفجوة بين التعليم والتوسع الزراعي

مع تسارع وتيرة العمل في مشروع “الدلتا الجديدة”، أحد أضخم مشروعات استصلاح الأراضي في تاريخ مصر الحديث، والذي يستهدف إضافة نحو 2.2 مليون فدان جديدة للرقعة الزراعية عبر محاور الضبعة وجنوب الضبعة والساحل الشمالي الغربي، يبرز سؤال جوهري لم يعد بالإمكان تأجيله: من الذي سيدير هذه المساحات الزراعية الهائلة، ويشرف على صحة الثروة الحيوانية والداجنة التي ستنمو معها؟ الإجابة تقود مباشرة إلى ضرورة إنشاء كليات متخصصة في الزراعة والطب البيطري داخل نطاق الدلتا الجديدة نفسها، أو في الجامعات القريبة من الأراضي المستصلحة حديثًا.
على الرغم من انتشار كليات الزراعة والطب البيطري في أكثر من ثلاثين جامعة حكومية على امتداد الجمهورية، فإن الغالبية العظمى منها لا تزال متمركزة في الدلتا القديمة والوادي، بعيدًا عن مسرح التوسع الزراعي الجديد في الصحراء الغربية. وتشير بيانات مشروع الدلتا الجديدة إلى أن المنطقة تمتد من محور الضبعة غربًا لتلامس حدود محافظتي مطروح والبحيرة، وهي مساحات لا تضم حتى الآن كيانًا أكاديميًا متخصصًا يواكب حجم الاستثمار الزراعي القائم فيها.
وتزداد الحاجة إلحاحًا مع دخول تقنيات الزراعة الحديثة على خط الإنتاج، من الري بالتنقيط والرش المحوري إلى الصوب الزراعية الهيدروبونيك، وهي أساليب تتطلب كوادر مؤهلة ميدانيًا وقريبة جغرافيًا من مواقع التطبيق، بدلًا من الاعتماد الكامل على خريجين يتخرجون في كليات تبعد مئات الكيلومترات عن مسرح العمل الفعلي.
يرتبط مصير مشروعات الاستصلاح الجديدة، من “مستقبل مصر” إلى “جنة مصر” ومشروع جنوب محور الضبعة، بمنظومة متكاملة تجمع بين الإنتاج النباتي والحيواني معًا، إذ تتضمن الخطط التنموية لهذه المناطق إقامة مجمعات لتربية الماشية والدواجن ومزارع الأسماك إلى جانب المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والذرة الصفراء والبقوليات. وهذا التزاوج بين الزراعة والثروة الحيوانية يجعل من وجود كلية طب بيطري في محيط هذه المناطق ضرورة تشغيلية لا ترفًا أكاديميًا، لضمان الرقابة البيطرية على القطعان، ومكافحة الأمراض المشتركة، والحفاظ على سلامة الغذاء منذ لحظة الإنتاج الأولى.
إنشاء هذه الكليات في محيط الدلتا الجديدة لن يقتصر أثره على الجانب التعليمي، بل سينعكس مباشرة على كفاءة المشروعات القومية القائمة هناك من عدة زوايا:
- قرب الكوادر من موقع العمل: تخريج مهندسين زراعيين وأطباء بيطريين قادرين على الانخراط الفوري في مشروعات المنطقة دون الحاجة لانتقالهم من محافظات بعيدة.
- بحث علمي ميداني مباشر: إتاحة الفرصة أمام أقسام البحوث للعمل على تربة وظروف مناخية فعلية للمنطقة، بدلًا من الاعتماد على نماذج مستوردة من بيئات الدلتا القديمة المختلفة تمامًا في طبيعة تربتها ومواردها المائية.
- جذب سكاني وتنموي: تسهم الجامعات تاريخيًا في جذب الكثافة السكانية حول المدن الجديدة، وهو ما يخدم هدف الدولة المعلن بإعادة توزيع السكان بعيدًا عن الوادي والدلتا القديمة.
- دعم منظومة التدريب المستمر: توفير برامج تأهيل وتدريب للعمالة الزراعية القائمة بالفعل في هذه المناطق، بما يرفع كفاءة الإنتاج ويقلص الفجوة بين المهارات المتاحة ومتطلبات السوق.
يأتي هذا المقترح متسقًا مع نقاشات موسعة شهدتها الأوساط الزراعية والتعليمية أخيرًا حول ضرورة إعادة تصميم منظومة التعليم الزراعي الجامعي وما قبل الجامعي، بما يواكب احتياجات المزارع الفعلية ومتطلبات سوق العمل المتغيرة، وهو ما طُرح في فعاليات متخصصة مثل معرض وملتقى الزراعة الذكية الخضراء الذي ناقش خطط التوسع في مدارس التكنولوجيا الزراعية وربط التعليم بالتطبيق العملي.
وإذا كانت الدولة قد نجحت في إنشاء جامعات إقليمية جديدة رافقت التوسع العمراني في مدن مثل العلمين الجديدة والعاصمة الإدارية، فإن المنطق نفسه ينطبق على الدلتا الجديدة كمساحة زراعية عملاقة تحتاج بنية تعليمية موازية لحجمها، بحيث تصبح كليات الزراعة والطب البيطري جزءًا أصيلًا من مخطط التنمية، لا إضافة لاحقة تأتي بعد اكتمال الاستصلاح بسنوات.



