
في خطوة تعكس اهتمام الدولة المصرية المتصاعد بملف الأمن الغذائي، شهدت الأشهر الأخيرة تحولًا مؤسسيًا لافتًا في مسار “جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، بعد تصديق الرئيس عبد الفتاح السيسي على القانون رقم 147 لسنة 2026، الذي يعيد تنظيم الجهاز وينقل تبعيته من وزارة الدفاع إلى رئيس الجمهورية مباشرة، في خطوة تمنحه مرونة إدارية ومالية أوسع لمواصلة أداء دوره التنموي والاستراتيجي.
يعود النشاط الفعلي لجهاز مستقبل مصر إلى عام 2017، حين بدأ تنفيذ مشروعات للاستصلاح الزراعي معتمدًا على أساليب الري الحديث وتقنيات الزراعة الدقيقة، قبل أن يُنشأ رسميًا بقرار جمهوري رقم 591 لسنة 2022. ومنذ ذلك الحين، تولى قيادته العقيد الطيار الدكتور بهاء الدين الغنام، خريج الكلية الجوية والمتخصص في إدارة المشروعات الإنتاجية واللوجستية، ليشرف على واحدة من أكبر منظومات استصلاح وزراعة الأراضي في تاريخ مصر الحديث.
يضع القانون رقم 147 لسنة 2026 الجهاز في موقع مؤسسي جديد، إذ يعيد تنظيمه ليصبح “جهازًا قوميًا ذا طبيعة خاصة” يتبع رئيس الجمهورية مباشرة، ويتمتع باستقلال فني ومالي وإداري، ومقره القاهرة، مع أحقيته في إنشاء فروع ومكاتب داخل مصر وخارجها. كما ينشئ القانون صندوقين تابعين للجهاز: الأول للثروة السيادية تحت اسم “أهرامات النيل”، والثاني صندوق خدمي باسم “داعم”، بهدف دعم مسيرة التنمية المستدامة.
ومن أبرز ملامح القانون أيضًا اعتبار الأراضي التي آلت ملكيتها أو نُقلت ولايتها إلى الجهاز مناطق تنمية مستدامة، يصدر بتحديدها قرار من رئيس الجمهورية خلال ثلاثة أشهر من نفاذ القانون، وهو ما يمنحها إطارًا قانونيًا خاصًا لإدارتها وتنميتها، إلى جانب استمرار العمل بجميع بروتوكولات التعاون والاتفاقيات المالية الموقعة سابقًا، حفاظًا على استقرار المشروعات القائمة.
يرى الدكتور بهاء الغنام أن نقل تبعية الجهاز إلى رئاسة الجمهورية وإنشاء الصندوقين يهدفان إلى تحويله إلى ما وصفه أمام مجلس النواب بـ”حاضنة أعمال” تفتح المجال أمام مشاركة أوسع للقطاع الخاص والاستثمارات المحلية والدولية. ويؤكد الغنام في تصريحاته المتكررة أن الجهاز يعمل على إعادة تهيئة وإدارة أصول الدولة غير المستغلة، ضمن رؤية شاملة تستهدف تعزيز التنمية الاقتصادية والأمن الغذائي معًا، بما يجعل من الجهاز أداة تنفيذية لتحقيق توجهات القيادة السياسية في هذا الملف الحيوي
يشكل ملف الأمن الغذائي أحد المحاور الرئيسية في عمل جهاز مستقبل مصر، الذي يدير نحو 150 ألف فدان في محافظات متعددة، من بينها الإسماعيلية وأسوان وأسيوط وقنا، ويمثل نحو 70% من الزراعات الآلية في مصر. وقد نجحت منظومة الشراء الموحد التي يتعاون فيها الجهاز مع وزارة التموين في توفير أكثر من 8 ملايين طن من القمح، وما يزيد على 800 ألف طن من الزيوت للدولة المصرية، إلى جانب المساهمة في إنتاج محلي للقمح تجاوز مليونًا ومائة ألف طن خلال ست سنوات، بقيمة تُقدَّر بنحو 324 مليون دولار.
ويؤكد الغنام أن الجهاز يعمل ضمن ما يصفه بـ”مثلث الأمن الغذائي” بالتعاون الكامل مع وزارتي الزراعة والتموين، بهدف ضمان استقرار الإمدادات وتحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الاستراتيجية، فضلًا عن التوسع في مشروعات الصوب الزراعية الحديثة، ومنها استخدام تقنية “الصوب الهيدروبونيك” في محور الضبعة للحفاظ على المخزون المائي وزيادة الإنتاجية.
يمنح القانون الجديد جهاز مستقبل مصر صلاحيات واسعة تشمل تأسيس الشركات والمساهمة فيها، وإقامة مناطق للتنمية المستدامة، وإدارة الأراضي والمشروعات، والدخول في شراكات محلية ودولية، بما يعزز موقعه كمحرك رئيسي للتنمية الاقتصادية في مصر. وتشير تقارير حكومية إلى أن نطاق عمل الجهاز يمتد ليشمل ملفات اقتصادية كبرى، من بينها استيراد القمح والسكر، وإقامة مشروعات عقارية وصناعية، وتوزيع المنتجات الغذائية والزراعية، إضافة إلى مشروعات تنموية في سيناء بتوجيهات مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي.
ويرى مراقبون أن هذا التوسع المؤسسي والتشريعي يعكس توجه الدولة نحو ترسيخ دور الجهاز كذراع تنفيذية مرنة، توازن بين دعم التنافسية الاقتصادية وتعزيز الحوكمة والشفافية من جهة، ومقتضيات الحفاظ على الأمن القومي من جهة أخرى، بما يجعله محفزًا فاعلًا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وفي مقدمتها ضمان الأمن الغذائي للمصريين على المدى الطويل.




