من كل مصر

يوسف الجميل.. من تنظيم “احمد عز ” إلى نائب مستقبل وطن

في السياسة، كما في الحياة، لا تُصنع المصائر دفعة واحدة. تبدأ بقرار صغير، أو خطوة جريئة، أو إعلان قصير في صفحة داخلية من جريدة لا ينتبه إليه أحد. ثم تمرّ السنوات، وتتبدل الخرائط، وتسقط أحزاب وتصعد أخرى، ويجد صاحب الخطوة الأولى نفسه في مكان لم يكن يتخيله، وربما لم يتخيله أحد من حوله.

هذه حكاية من هذا النوع. بطلها شاب من قرية بلفيا مركز ومحافظة  بني سويف، عرف الطريق إلى العمل العام من باب التنظيم، ثم عبر به الزمن من مرحلة إلى مرحلة، حتى صار اليوم نائباً يحمل صفة تمثيل الناس تحت القبة. هو يوسف شعبان الجميل، عضو مجلس النواب عن دائرة بندر ومركز بني سويف.

في أكتوبر 2005 كان الحزب الوطني الديمقراطي في ذروة حضوره التنظيمي. أرادت أمانة التنظيم دماءً جديدة تعمل داخل جهازها، فنشرت إعلاناً في الصحف تطلب فيه شباباً للعمل بها. وكانت الفكرة أن تتولى الأمانة إعداد جيل من المتابعين الميدانيين، يخصَّص كل واحد منهم لمحافظة من محافظات مصر، فيعرف أحوالها ويتابع ملفاتها ويكون حلقة وصل بين الحزب والناس.

تقدّم للإعلان نحو 600 شاب، جاؤوا بشهاداتهم وطموحاتهم ورغبتهم في أن يكونوا جزءاً من الحياة العامة. أما المقاعد فكانت 27 فقط.

كانت النسبة قاسية بكل المقاييس، أقل من واحد من كل اثنين وعشرين متقدماً. ولم يكن الاختيار عفوياً، فقد مرّ المتقدمون بتصفيات متتالية تُنحّي في كل مرحلة من لا يستوفي الشروط. وفي النهاية استقر الاختيار على 27 شاباً، معظمهم من حديثي التخرج في كلية الاقتصاد وغيرها من الكليات. وكان يوسف الجميل من بين من وقع عليهم الاختيار.

لم يُرسل الشباب إلى المحافظات فور اختيارهم. تقرر أن يُعدّوا أولاً، فخضعوا لتدريب على مهارات التواصل والإدارة والعمل السياسي، وهي المهارات الثلاث التي يقوم عليها أي عمل تنظيمي ناجح: كيف تُحاور الناس، وكيف تُدير ملفاً، وكيف تقرأ المشهد السياسي من حولك.

وفي هذه المرحلة تحوّل شاب حديث التخرج إلى كادر يعرف كيف يُنصت ويُقنع ويتابع. ومن يعمل في متابعة محافظة كاملة يتعلم الكثير: أن لكل قرية طبيعتها، وأن لكل مركز همومه، وأن حاجات الناس في الصعيد تختلف عن حاجاتهم في الدلتا. كان هذا التدريب مدرسة حقيقية بالنسبة إليه.

استمرت التجربة نحو ست سنوات، من خريف 2005 حتى مطلع 2011، تعلّم فيها هؤلاء الشباب السياسة بالممارسة قبل النظرية. اشتغلوا في أروقة الأمانة وتابعوا ملفات محافظاتهم، وكوّنوا شبكات علاقات وخبرات لا تُشترى بالمال ولا تُكتسب في الجامعات.

ومن يمر بمثل هذه السنوات يخرج منها بشيء أثمن من المنصب، هو الفهم الذي يبقى معه حين تتبدل الأحزاب والظروف.

ثم جاء يناير 2011، فانقلبت الخريطة السياسية في مصر. تفكك الحزب الوطني، وتبددت كوادره، وغاب عن كثيرين ممن عملوا فيه السند والعنوان. وجد آلاف الشباب أنفسهم فجأة بلا حزب يجمعهم وبلا مظلة تحميهم.

في تلك اللحظة، بادر المهندس أحمد عز إلى تعيين مجموعة الشباب في شركاته، فلم يتركهم يواجهون الفراغ بعد انهيار الحزب. ومع الوقت صار عدد منهم من القيادات في هذه الشركات.

ولهذا الموقف دلالة إنسانية لا يتجاهلها الإنصاف، وإن اختلف الناس في تقييم صاحبه سياسياً. ففي زمن يتخلى فيه الجميع عن الجميع عند أول منعطف، يبقى لمن يحفظ الجميل قيمته، ويبقى لمن يجد من يمدّ إليه يده في الشدة أثر لا يزول.

مرّت السنوات وتغيرت المشاهد. ولد في الحياة السياسية المصرية حزب جديد هو مستقبل وطن، الذي ظهر بعد 2014 وصار من أبرز أحزاب الأغلبية البرلمانية في الدورات الأخيرة. وانتقل الشاب يوسف الجميل الذي بدأ رحلته من إعلان في الجرائد إلى هذا الكيان الجديد.

 

زر الذهاب إلى الأعلى