عاجلمن كل مصر

حين يُعاقَب من يطارد الفساد التربوي.. معلم “باها” الإعدادية ضحية مجاملة “الكراسي”

 

في زمنٍ تتشدّق فيه وزارة التربية والتعليم بشعارات الانضباط وإصلاح المنظومة وضبط العملية التعليمية، تطلّ علينا من محافظة بني سويف واقعةٌ تكشف أن الشعار شيء، وأن ما يجري خلف أبواب المديريات شيء آخر. فبحسب ما ورد من وقائع القصة، دفع معلمٌ بمدرسة باها الإعدادية ثمن يقظته وحرصه على طلابه، فكان جزاؤه النقل والتنكيل، وكان جزاء من تسبّب في ذلك مجاملةً من زملاء المنصب.

بدأت القصة من ملاحظة بسيطة لا يلتفت إليها إلا من يحمل همّ الرسالة: تكرار هروب عدد من الطلاب من المدرسة. المعلم، ويُشار إليه بالحرفين (ع. ر)، لم يكتفِ بالتذمر ولم يرفع تقريراً يُركن في الأدراج. تتبّع خطى الطلاب، فاكتشف أن وجهتهم “سايبر” ألعاب، وأن ساعات الدراسة تُهدر بين الشاشات والأجهزة بينما يظن أولياء الأمور أن أبناءهم في الفصول.

هنا تحمّل المعلم مسؤوليته، وضبط المتغيبين وواجههم بما فعلوه. هذا في أي منظومة تعليمية رشيدة موقفٌ يستحق الشكر والتقدير، لا المحاسبة.

وتقول الرواية إن المعلم تعامل مع الطلاب بحزم غلب عليه انفعال المربّي الغيور على مستقبل تلاميذه. ومن الإنصاف أن نقول إن أي تجاوز في أسلوب المعالجة، إن ثبت، كان له مساره القانوني والإداري الواضح: تحقيق نزيه، وإجراءات عادلة، ومساءلة تتناسب مع الفعل، لا أكثر.

لكن ما حدث، وفق ما ورد، كان شيئاً آخر تماماً. فمن بين الطلاب المتغيبين طالبٌ يشغل والده منصباً قيادياً في إحدى مديريات التعليم. ولم يشغل الأب نفسه بسؤال ابنه عن سبب هروبه من مدرسته إلى مقهى الألعاب، ولم يتوقف عند أصل المشكلة. اتجه مباشرة إلى استخدام نفوذه، فتحرّكت آلة المجاملة.

وكما يحدث في كثير من الأحيان، تواصل صاحب المنصب مع زملائه من قيادات مديرية التربية والتعليم ببني سويف، الذين لم يدخروا جهداً، كما تقول الرواية، في مجاملة “زميل الكرسي”. وهكذا لم تُفتح الأبواب لتحقيق عادل يزن الوقائع بميزان العدل، بل لإجراء تأديبي تحوّل إلى تنكيل: نقلٌ للمعلم، وعقاب لمن كشف المشكلة.

هذا هو جوهر الفضيحة. لم يعد السؤال: لماذا هرب الطلاب؟ ولا: كيف يُحمى أبناؤنا من مقاهي الألعاب في أوقات الدراسة؟ أصبح السؤال: كيف نُرضي صاحب النفوذ؟

أولاً، تقول إن الميزان يختلّ حين يتقدّم الاسم والمنصب على الوقائع والمستندات، وإن بعض المديريات تُدار بعقلية “شبكة العلاقات” لا بعقلية المؤسسة.

ثانياً، تقول إن المعلم الذي يرى الخطأ ويتصدى له يُترك وحيداً في مواجهة النفوذ، وإن الصمت أسلم له من اليقظة. وبذلك تتحول المدرسة إلى مكان لا يجرؤ فيه أحد على المبادرة.

ثالثاً، وهي الأخطر، تقول إن أصل الأزمة، أي تسرب الطلاب وهروبهم من الفصول إلى أماكن الألعاب، ظلّ بلا علاج. المشكلة الحقيقية التي كشفها المعلم تُركت وانشغل الجميع بمعاقبة من كشفها.

 

نطرح أسئلة إلى السيد وزير التربية والتعليم، وإلى مديرية التربية والتعليم ببني سويف،  صراحة:

  •  هل أُجري تحقيق شفاف ومحايد في الواقعة، يستمع إلى المعلم والطلاب وإدارة المدرسة؟ أم صدرت القرارات قبل أن تكتمل الأوراق؟
  • هل كان قرار النقل نتيجة مخالفة ثابتة بالدليل، أم استجابة لاتصالات صاحب نفوذ؟
  • ما الإجراءات التي اتُّخذت فعلاً لمعالجة هروب الطلاب إلى أماكن الألعاب؟
  • وهل يُحاسَب من تدخّل بمنصبه في مسار تحقيق يخص ابنه؟

لم يمضِ وقت طويل على واقعة “كيس الفول” التي شهدتها مدارس إدارة إهناسيا التعليمية في مطلع مايو 2026، حين أُحرجت طالبة أمام زميلاتها بسبب وجبتها البسيطة على يد وكيل الوزارة آنذاك الدكتور محمود الفولي، حتى اضطر إلى الاعتذار بعد تدخل الوزارة. وبعد تغيير القيادة، يعود السؤال مع تولي الدكتور عصام عبد المهدي عمارة إدارة مديرية بني سويف: فبحسب ما ورد، يواجه معلم مدرسة باها الإعدادية النقل والتنكيل لأنه كشف تسرب الطلاب إلى صالات الألعاب. فهل يُراد للمديرية أن تكرر المنهج نفسه، فتُحرج طالبة بالأمس وتعاقب معلماً اليوم؟ وإذا ثبت أن القرار جاء استجابة لنفوذ ولي أمر يعمل في المنظومة، فنحن أمام إهدار صريح لكرامة المعلم التي وصفها الوزير بأنها “خط أحمر”. والمطلوب من الدكتور عمارة إعلان أسباب النقل وفتح تحقيق شفاف في الواقعة.

لا يُبنى التعليم بالنقل الإداري ولا بالمجاملات بين أصحاب الكراسي. يُبنى بمعلم يشعر بالأمان وهو يؤدي رسالته، وبمنظومة تحاسب بالعدل لا بالواسطة. أما أن يُنكَّل بمعلم لأنه اكتشف ما غفل عنه الآخرون، فتلك رسالة مدمّرة لكل معلم شريف: أن اليقظة جريمة، وأن النفوذ يسبق القانون.

إذا كانت عبارة «المعلم خط أحمر» تُقال اليوم في تصريحات وزير التعليم ، فإن اختبارها الحقيقي جاء موعده اليوم؛ في كل مدرسة وإدارة ومديرية. فالمعلم الذي تُصان كرامته يصون بدوره عقول الأجيال، أما إذا أُهدرت كرامته فلن تقوم للتعليم قائمة مهما كثرت المناهج وتعددت المبادرات. ولهذا فإن تكريم مديري القليوبية بعد ما حدث من محافظها يجب أن يُقرأ على أنه بداية لسياسة ثابتة تحمي المعلم، لا مجرد واقعة تُطوى بانتهاء الأزمة.

وإلى أن تُفتح هذه القضية بشفافية ويُعاد الاعتبار لما جرى، سيبقى السؤال معلّقاً فوق مدرسة باها وفوق كل مدرسة: من يحمي المعلم حين يحمي الطلاب؟

 

—

زر الذهاب إلى الأعلى