اقتصادعاجل

  بعد 80 سنة من الصمود .. مصر تعدل سياسة دعم الرغيف والسلع  

 

صمد  الرغيف المصري  بسعره المدعوم أمام عقود من التقلبات الاقتصادية، فيبدو أنه يقف اليوم على عتبة صفحة جديدة — قد تكون أكثر عدلاً ،  في اول يوليو 2026، يقف نظام الدعم الغذائي في  مفترق طرق لم يشهده منذ عقود ، بعد ان  اعتاد  68 مليون مصري على بطاقات التموين ورغيف الخبز والزيت والسكر كحق مكتسب ، يجدون انفسهم  أمام منظومة جديدة تقلب الآلية رأساً على عقب .. نرصد ما كان، وما سيكون، وما يثير القلق.


ما  كان 

أرست مصر نظام الدعم الغذائي  منذ أواخر الخمسينيات، وتوسّع  في عهد الرئيس جمال عبد الناصر كأداة للحماية الاجتماعية، قبل أن يترسّخ في شكله المعاصر مع نظام البطاقات التموينية الذي انطلق في السبعينيات. وقد قام هذا النظام تاريخياً على ركيزتين رئيسيتين:

أولاً: دعم الخبز البلدي دأبت الدولة على تحمّل الفارق الكامل بين التكلفة الحقيقية لإنتاج رغيف الخبز البلدي وبيعه بسعر 20 قرش  للمواطن. فبينما بلغت تكلفة الإنتاج الفعلية للرغيف  (1.5 جنيه)، كان المواطن يحصل عليه . ويوجد  نحو 32 ألف مخبز مدعم تعمل بماكينات إلكترونية تُسجّل عمليات الصرف فورياً، وللمواطن المستحق حصة يومية تبلغ خمسة أرغفة، بما يعادل 150 رغيفاً شهرياً لكل فرد.

ثانياً: الدعم السلعي (البطاقة التموينية) توفر بطاقة التموين لحاملها الحصول شهرياً على سلة من السلع الأساسية المدعومة بأسعار تقل كثيراً عن السوق الحرة، تشمل : الزيت، والسكر، وويحصل  كل مواطن يحصل على 50 جنيهاً كدعم على بطاقته شهرياً، وكانت هذه القيمة تكفي للحصول على زجاجة زيت وكيلو سكر

خصصت الحكومة في موازنة العام المالي 2026/2027 نحو 178.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية، بزيادة سنوية تبلغ 11%، وهو ما يمثل نحو 38% من إجمالي مخصصات الدعم البالغة 468 مليار جنيه.

وعلى مدى عقود، عانى النظام القديم من إشكاليات هيكلية عميقة:

  • الهدر والتسرّب: تشير التقديراتالرسمية  أن حجم الهدر في دعم الخبز والمخابز وحده يبلغ نحو 30 مليار جنيه سنوياً، ناجم عن التلاعب في الكميات وبيع الدقيق المدعوم في السوق السوداء.
  • عدم العدالة في التوزيع: يستفيد كثير من غير المستحقين من الدعم ، بينما تُحرم أسر فقيرة من الانضمام إلى المنظومة

 ما سيكون 

 نظام “الخصم المباشر” للمخابز

تنطلق في الأول من يوليو 2026 المرحلة الأولى من الإصلاح، وتتعلق بآلية التعامل بين الحكومة وأصحاب المخابز من خلال تطبيق نظام الخصم المباشر: بدلاً من أن تتولى الدولة التعامل مع المطاحن لتوريد الدقيق للمخابز، سيحصل صاحب المخبز على مستحقاته المالية مباشرةً في حسابه البنكي، ثم يتوجه بنفسه لشراء الدقيق من المطاحن. وتوفر الدولة للمخابز قيمة تشغيل تكفي لمدة يومين لضمان انتظام الإمداد بالدقيق.

التحول إلى “الدعم النقدي” والمحفظة السلعية

وهنا يكمن التحول الجذري الكبير. تستعد وزارة التموين لتطبيق منظومة الدعم النقدي المشروط، التي تقوم في جوهرها على:

دمج كل مصادر الدعم في محفظة إلكترونية واحدة بدلاً من حصة خبز ثابتة وسلة سلع محددة، يُحوَّل إجمالي قيمة الدعم الذي تتحمله الدولة عن الفرد — سواء دعم الخبز أو دعم السلع التموينية أو نقاط الخبز الإضافية — إلى رصيد مالي يُضاف إلى البطاقة التموينية في صورة “محفظة سلعية مالية”.

حرية الاختيار للمواطن يصبح المواطن صاحب القرار الكامل: يستطيع توجيه كامل رصيده لشراء الخبز إذا كانت أسرته تعتمد عليه بشكل أكبر، أو استخدامه بالكامل في السلع الغذائية، أو المزج بين الاثنين وفق احتياجاته — وذلك بالتعامل بالأسعار الحرة للسلع.

التسعير وفق الأسعار الحرة هنا نقطة محورية: في المنظومة الجديدة، سعر الرغيف سيكون وفق قيمته الحقيقية التي تقترب من 1.5 جنيه للرغيف، وكذلك باقي السلع بأسعارها الحرة — لكن يدفعها المواطن من رصيد الدعم الذي أودعته الحكومة في محفظته.

متوسط الدعم الفردي

تُشير مصادر إلى أن متوسط قيمة الدعم للفرد في المنظومة الجديدة سيبلغ نحو 325 جنيهاً شهرياً، تشمل تكلفة الخبز 225 جنيه للفرد بعدد 150 رعيف شهريا ، وفارق 100 جنيه للفرد  شهرياً  لدعم السلع التموينية، مع إمكانية اختلاف القيمة بين الشرائح المختلفة وفقاً لمستوى الاستحقاق. وتتحدث بعض التقديرات عن وصول قيمة الدعم لأسرة متوسطة من 4 أفراد إلى نحو 1,300-1,600 جنيه شهرياً.

نظام الشرائح الأربع

من المقرر ان ينقسّم المستفيدين إلى  4 شرائح وفق معايير الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي:

الشريحة الوصف الزيادة المتوقعة عن الدعم الحالي
الشريحة الأولى الأكثر احتياجاً / الفقر الشديد الأعلى قيمة من بين الشرائح
الشريحة الثانية محدودو الدخل الشديد زيادة تصل إلى 200 جنيه تقريباً
الشريحة الثالثة متوسطو الدخل المستحقون زيادة بين 100-150 جنيهاً
الشريحة الرابعة الشريحة الأدنى استحقاقاً زيادة تتجاوز 100-105 جنيهات

 

معايير استبعاد غير المستحقين

تعتزم الحكومة اجراء  مراجعة شاملة لقوائم المستفيدين، واستبعاد من لا يستحقون الدعم، ومن أبرز معايير الاستبعاد المطروحة:

  • تجاوز الراتب الشهري حاجز 24 ألف جنيه.
  • السكن في مجمعات سكنية فارهة (كمبوندات).
  • امتلاك مؤشرات رفاهية مالية واضحة لا تتناسب مع مستحق الدعم.

وتشير تقديرات الرسمية ان   نحو 12 مليون مواطن قد يخرجون من المنظومة بعد عمليات المراجعة. وفتح الباب أمام أسر لا تستفيد حالياً رغم استحقاقها.

ما يثير القلق

وفي السياق نفسه يرى فريق من الخبراء الاقتصاديين أن الدعم النقدي يُعالج إشكاليات بنيوية متراكمة. يمنح الدعم النقدي المواطنَ مرونةً في تحديد أولوياته وشراء ما يحتاجه فعلياً، بدلاً من الارتباط بسلة محددة من السلع. كما يُقلّل نظرياً من الهدر والتسرب، ويربط الدعم بمعايير استحقاق أكثر دقة.

في المقابل، يحذر بعض  الخبراء من التسرع، ومن أبرز مخاوفهم:

  • تآكل قيمة الدعم مع مرور  الوقت جراء موجات الغلاء المتتالية، بينما كانت السلع العينية يُعاد النظر في قيمتها دورياً.
  • انفلات الأسعار في غياب الرقابة  ، قد ترتفع أسعار السلع الأساسية في الأسواق.
  • مواجهة شريحة من المستفيدين  خاصة كبار السن والفقراء في الريف   عقبات في التعامل مع المحافظ الإلكترونية.
  • عدم دقة قواعد البيانات  الحكومية التي تعاني من تضخم وعدم تحديث، وأن عمليات الاستبعاد قد تطال أسراً مستحقة بالفعل.

يكمن الرهان الأكبر في هذه التجربة على  قدرة الدولة في  بناء قواعد بيانات دقيقة وعادلة لتصنيف المستفيدين، ومنع انفلات الأسعار في الأسواق ، وضمان استمرار مراجعة قيم الدعم بما يواكب التضخم.


 

زر الذهاب إلى الأعلى