رياضةعاجل

ألكسندر زفيريف:  بطل رولان جاروس 2026 الذي كسر حواجز المستحيل

في السابع من يونيو 2026، وعلى ملعب فيليب شاتريه في قلب باريس، انهار ألكسندر زفيريف على أرضية الملعب الترابية الحمراء، وغطّى وجهه بيديه في بكاء لم يكن يُخفيه. لم تكن دموعه مجرد دموع انتصار رياضي، بل كانت تعبيراً عن رحلة عمر كاملة: خمسة وعشرون عاماً من التحدي، والألم، والإصرار على دحض جملة واحدة سمعها في طفولته: “لن تستطيع أبداً أن تكون رياضياً محترفاً.”

فاز اللاعب الألماني البالغ من العمر 29 عاماً بلقب بطولة رولان جاروس 2026 بعد مباراة نهائية مثيرة من خمس مجموعات على حساب الإيطالي فلافيو كوبولي، بنتيجة 6-1، 4-6، 6-4، 6-7، 6-1، في مواجهة استمرت أربع ساعات وسبع عشرة دقيقة. وكان هذا اللقب الأول له في بطولات الجراند سلام بعد ثلاثة نهائيات خسرها على التوالي.

لكن ما يجعل هذه البطولة استثنائية ليس فحسب صعوبة الطريق إليها، بل طبيعة الرفيق الصامت الذي صاحبه في كل خطوة منذ بداياته: مرض السكري من النوع الأول.


اكتشاف المرض: خوف الطفولة وصمود الأسرة

وُلد ألكسندر زفيريف في مدينة هامبورغ الألمانية عام 1997 ؛ والده ألكسندر زفيريف الأب وأمه إيرينا، كلاهما لعب التنس على المستوى الاحترافي. وفي عمر لا يتجاوز الثلاث إلى أربع سنوات، شُخِّص بمرض السكري من النوع الأول، وهو النوع الذي يهاجم فيه الجهاز المناعي خلايا البنكرياس المنتجة للأنسولين، مما يجعل الجسم عاجزاً تماماً عن إنتاجه بشكل طبيعي.

وصف زفيريف تلك اللحظة في مقابلات عدة: “كان والداي خائفَين جداً. أمي كانت تبكي كثيراً.” فالتشخيص المبكر في سن طفولية معناه حياة كاملة من الحقن اليومية ومراقبة مستويات السكر في الدم لحظة بلحظة.

الأشد وطأةً لم يكن المرض نفسه، بل الرسائل المحبطة التي تلقتها أسرته من بعض الأطباء. يروي زفيريف: “كثير من الأطباء أخبروا والديّ: ‘طفلكم محدود جداً، وليس أمامه مستقبل في الرياضة الشاقة.’ بعضهم قال لي صراحةً: ‘لا يمكنك أن تكون رياضياً محترفاً بهذا المرض، هذه رياضة مجهدة جداً.’ لكنني كنت أقول لهم دائماً: ‘أريد أن ألعب التنس، هذا الشيء الوحيد الذي يهمني.'”

رفضت الأسرة الاستسلام. آمنوا بابنهم، وآمن هو بنفسه.


حياة بين الملعب وإبرة الأنسولين

السكري من النوع الأول ليس مجرد وصفة دواء يُؤخذ مرة يومياً؛ إنه رفيق دائم يستدعي يقظة لا تنقطع. كل وجبة، كل تدريب، كل مباراة تعني حسابات دقيقة لمستوى السكر في الدم. ولاعب التنس المحترف يخوض ساعات من المجهود الجسدي المتواصل في الشمس والحرارة، مما يجعل ضبط مستوى السكر تحدياً استثنائياً.

يستخدم زفيريف حقن الأنسولين بانتظام، ويحمل معه جهاز مراقبة مستمرة لمستوى الجلوكوز. بل إنه في بعض المباريات الكبرى كان يأخذ جرعته في فترات الاستراحة القصيرة بين الألعاب على الملعب نفسه.

وفي عام 2019 أثار ذلك جدلاً واسعاً: لاحظ بعض المراقبين أنه يتفاعل مع جهاز في حقيبته أثناء المباريات، واتُّهم بمخالفة قواعد التواصل. لكن الحقيقة كانت أبسط وأعمق في آنٍ واحد: كان الجهاز مقياس الجلوكوز، لا هاتفاً محمولاً. الجهاز الذي يحمي حياته.

وقد منحته الوكالة الدولية لنزاهة التنس إذناً استثنائياً باستخدام الأنسولين على الملعب، وهو استثناء من القواعد المعتادة لمنظمة WADA التي تُصنّف الأنسولين ضمن المواد المنظّمة.

وفي عام 2023 بالتحديد، شهد رولان جاروس موقفاً لافتاً: مُنع زفيريف من أخذ الأنسولين على الملعب خلال مباراة، فتكلّم بحدة نادرة: “قالوا لي: يبدو هذا غريباً حين تفعله على الملعب. لكن هذا ليس حكماً ذكياً؛ لأنني إن لم أفعله، فحياتي في خطر.”


الكتمان… ثم الكشف

لسنوات طويلة، اختار زفيريف إخفاء تشخيصه عن العالم. لم يكن جُبناً، بل كان خوفاً مشروعاً من النظرة القاصرة التي تربط المرض المزمن بالضعف. خشي أن يُصنَّف كرياضي “محدود” أو أن ينال من صورته كمنافس في أعلى مستويات الرياضة العالمية.

حتى جاء عام 2022، فقرر قطع الصمت. كشف علناً عن إصابته بالسكري من النوع الأول، ولم يكتفِ بذلك، بل أسّس مع أخيه ميشا ووالديه مؤسسة ألكسندر زفيريف، التي تتمحور مهمتها حول دعم الأطفال المصابين بالسكري من النوع الأول حول العالم.

قال يومها بنبرة هادئة واثقة: “الاحتراف في التنس كان دائماً حلمي. في البداية قيل لي إن التنافس على أعلى المستويات مع هذا المرض مستحيل. لكن عائلتي وأنا رفضنا قبول ذلك.”

جمعت مؤسسته حتى الآن قرابة 11 مليون دولار لدعم الأطفال المصابين بالسكري، وتوفير الأنسولين في دول لا يمتلك أطفالها إمكانية الوصول إليه. وتعاون مع شركة Medtronic للسكري لنشر التوعية بأنظمة توصيل الأنسولين الآلية الحديثة التي تخفف العبء اليومي عن المرضى.


رولان جاروس 2026: اللحظة التي جمعت كل الخيوط

جاء موسم 2026 استثنائياً من بدايته. غاب كارلوس ألكاراز بسبب إصابة في الرسغ، وخرج يانيك سينر الأول عالمياً في الدور الثاني بنتيجة صادمة. فتح الطريق أمام زفيريف، لكن الفرصة المفتوحة لا تعني نهائياً مضموناً، فقد خسر زفيريف من قبل ثلاثة نهائيات جراند سلام حين كان الفوز يبدو في متناوله.

في المباراة النهائية بدا متسيداً من البداية؛ فاز بالمجموعة الأولى 6-1 بسهولة لافتة. ثم تراجع في الثانية أمام انتفاضة كوبولي. تقلّبت الكفة في الثالثة والرابعة التي ذهبت في تاي بريك مثير حتى بدا كأن الكابوس القديم عائد. لكن زفيريف في المجموعة الخامسة كان شخصاً مختلفاً: أقفل الملعب بقوة ودقة، وأنهى المباراة 6-1 في أقل من ساعة.

حين سقط على ظهره على الطين الأحمر، لم يكن مجرد لاعب يحتفل بلقب. كان طفلٌ في الرابعة من عمره، أُخبر يوماً بأنه لن يستطيع، يُثبت للعالم أنه استطاع.


قصة زفيريف ليست قصة تنس فحسب. إنها قصة كل إنسان حمل تشخيصاً طبياً وقِيل له إنه سقف لطموحاته. إنها قصة أسرة آمنت بطفلها حين شكّك فيه الآخرون. وإنها في العمق قصة إنسانية عن الفارق بين تعريف المرض لصاحبه، وبين تعريف صاحبه لنفسه.

السكري من النوع الأول لم يمنع زفيريف من الفوز بميدالية ذهبية أولمبية في طوكيو 2020، ولم يمنعه من بلوغ نهائيات جراند سلام مراراً، ولم يمنعه في النهاية من رفع كأس الفرسان في رولان جاروس 2026.

بعد المباراة قال بإيمان خالص: “مهما حدث، سأظل دائماً بطلاً في جراند سلام.”

أما كوبولي فأدى له التحية قبل أن يغادرا الملعب: “إذا سألني أحد من يستحق هذا اللقب، سأقول دائماً: أنت.”


 

زر الذهاب إلى الأعلى