اقتصادعاجل

عمال الكهرباء يرفعون صوتهم: «كفى وعوداً».. أجور متآكلة وهيكلة معطّلة وغضب يتصاعد من النقابة إلى القابضة

 

تشهد شركات الكهرباء حالة غير مسبوقة من الاحتقان بين العاملين، بعدما تحوّل ملف تعديل الأجور من وعد مؤجَّل إلى أزمة ثقة مفتوحة، تغذّيها تصريحات متضاربة وتسريبات متناقلة وصمت رسمي طال أكثر مما ينبغي، بينما يواجه العاملون غلاءً يلتهم دخولهم شهراً بعد شهر.

يرى العاملون أن حالة البلبلة الراهنة ليست وليدة الصدفة، وإنما هي نتاج مباشر لغياب الشفافية وتأخر الحسم في ملف الهيكلة والأجور. فكل يوم يمرّ دون موقف معلن يفتح الباب أمام التكهنات، ويدفع بالأرقام المتداولة والأخبار غير الموثقة إلى واجهة النقاش داخل الشركات، حتى باتت المجموعات العمالية ومواقع التواصل المصدر الأول للمعلومة، في غياب قناة رسمية واضحة تخاطب العاملين بما يستحقونه من صراحة.

أثار موقف وزارة الكهرباء من بعض المسؤولين الذين شرعوا في إعداد تصوّر لتعديل مرتبات العاملين جدلاً واسعاً في الأوساط العمالية. ويتداول بعضهم رواية مفادها أن هؤلاء المسؤولين جرى تهميشهم بعد تحركهم في هذا الاتجاه، بينما يتمسك آخرون بأن ما جرى تداوله من أحاديث حول تعديل المرتبات لم يستند إلى أساس معتمد. وبين الروايتين، يؤكد العاملون أن الأمر المؤكد لديهم هو أن أحداً لم يخرج ليضع الحقيقة كاملة أمامهم، وأن غياب التوضيح الرسمي ترك الساحة مفتوحة لكل الاحتمالات. ولم يصدر حتى الآن ما يحسم هذا الجدل، وهو ما يزيد الشعور بأن التفاصيل تُدار بعيداً عمّن يعنيهم الأمر مباشرة.

يقول عاملون في عدد من الشركات إن تأخر الهيكلة لم يعد مسألة إدارية يمكن احتمالها، فارتفاع تكلفة المعيشة أطاح بقدرة الأجور الحالية على الوفاء بالحد الأدنى من متطلبات الأسرة. ويشددون على أن رواتبهم التي لم تواكب موجات الغلاء أصبحت عبئاً نفسياً وماديًا يومياً، وأن الصبر الذي أبدوه خلال الفترة الماضية استُنفد بعد أن طال انتظار قرار ينصفهم.

وتتزايد المخاوف داخل القطاع من الهجرة الجماعية لبعض الكفاءات والخبرات الفنية، التي وجدت في فرص العمل خارج الشركات، أو خارج البلاد، بديلاً عن أجور لا تتناسب مع حجم المسؤولية ولا مع طبيعة العمل الحساس في قطاع يمثل عصب الحياة اليومية. ويحذّر عاملون من أن استمرار هذا النزيف يعني خسارة سنوات من التراكم الفني يصعب تعويضها، وأن كلفة التفريط في هذه الكوادر ستفوق بكثير كلفة إنصافها.

ولم تسلم النقابة العامة من موجة الغضب، إذ يحمّلها كثير من العاملين مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، معتبرين أنها لم تقم بدورها الأصيل في الدفاع عن حقوقهم والضغط من أجل حسم ملف الأجور. ويرى هؤلاء أن غياب الموقف الحاسم للنقابة عمّق فجوة الثقة، ودفع بالعاملين إلى البحث عن وسائل أخرى للتعبير عن مطالبهم، بعدما فقدوا الأمل في أن تكون النقابة صوتهم الحقيقي أمام الإدارات.

ومع تصاعد الإحباط، بدأت تظهر مطالب بتقديم استقالات جماعية ، كما ارتفعت نداءات من بعض العاملين بتحديد يوم موحّد للحصول على إجازة، بهدف إيصال صوتهم إلى رؤساء الشركات وأصحاب القرار، في ظل استمرار الوضع على ما هو عليه.

ويتجه العاملون بمطالبهم إلى القيادة الجديدة في الشركة القابضة للكهرباء، داعين إياها إلى تحمّل مسؤولياتها كاملة تجاههم، وفتح ملف الأجور والهيكلة . ويرون أن التغيير في القيادة يجب أن يترجم إلى قرارات ملموسة تنعكس على أوضاعهم، لا إلى استمرار الانتظار ذاته بوجوه مختلفة.

وتحضر المقارنة بشركات البترول بقوة في حديث العاملين، إذ يشيرون إلى أن زملاءهم في القطاع البترولي يحصلون على مزايا وأجور أفضل، رغم أن أوضاع شركاتهم تتشابه إلى حد بعيد مع أوضاع شركات الكهرباء. ويعتبر العاملون هذا التفاوت غير مبرر، ويطالبون بمعاملة عادلة تضعهم على قدم المساواة مع نظرائهم، خاصة أنهم يؤدون دوراً لا يقل حيوية في استمرار عجلة الاقتصاد وتشغيل المرافق.

وفي المقابل، ظهر توجه من الوزارة بعدم مناقشة هذه الأمور على صفحات التواصل الاجتماعي، والالتزام بما يصدر عن البيانات الرسمية. غير أن العاملين يرون أن هذا التوجيه لن يجدي نفعاً ما لم يقترن ببيانات رسمية فعلية تجيب عن مطالبهم، مؤكدين أن الصمت لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحلول، وأن الاحتقان الذي ينتقل من الصفحات إلى أروقة الشركات لا يُحتوى بالتعليمات، بل بالقرارات.

ويجمع العاملون على أن المرحلة لا تحتمل مزيداً من التسويف، وأن المطلوب قرار واضح يعيد إليهم الحقوق ويعيد الثقة بين القاعدة العمالية والإدارات. وبينما تتسع دائرة الاستياء، يبقى الحسم هو المطلب الأول: هيكلة عادلة، وأجور تليق بالجهد المبذول، وإدارة تخاطب العاملين بالوضوح الذي يستحقونه.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى