
في كل خريف تتحول طنطا إلى مدينة من الأضواء والأذكار والخيام والزحام. وفي كل موسم يعود السؤال القديم الجديد: أين ينتهي حب الأولياء، وأين تبدأ ممارسات لا يقرّها الدين؟ هذا السؤال طرحه الشيخ محمود شلتوت، شيخ الأزهر الأسبق، منذ أكثر من ستين عامًا، وما زالت مشاهد هذا العام تعيده إلى الواجهة.
امتدت فعاليات مولد السيد البدوي هذا العام من الجمعة 16 أكتوبر حتى الليلة الختامية الخميس 22 أكتوبر. وتصدّر المولد قوائم البحث والتداول في مصر، بعد انتشار صور ومقاطع لحشود هائلة في الليلة الكبيرة.
ولم يكن الزحام وحده ما لفت الأنظار. فقد رصدت تقارير صحفية وقائع غير معتادة تداولتها مقاطع مصورة على مواقع التواصل، منها حالة ولادة طارئة تعاملت معها فرق الهلال الأحمر في محيط الاحتفالات. وتداولت المنصات أيضًا مقطعًا لشخص يزعم أن السيد البدوي اتصل به هاتفيًا.
وتكشف هذه المشاهد عن ظاهرة أوسع: حين تغيب الحدود الواضحة بين الحب والغلو، تتحول الأضرحة في الوعي الشعبي من قبور يُترحَّم على أصحابها إلى مصادر للكرامات والاتصالات والوعود.
جاءت إجابة الشيخ شلتوت حاسمة في لغتها. فالدين، بحسب فتواه، لا يعرف ما يسمى «مقامات الأولياء»، وإنما يعرف أن لهم قبورًا كقبور سائر موتى المسلمين. وقد حرّم في فتواه أربعة أمور:
- تشييد القبور وزخرفتها وإقامة المقاصير عليها.
- الصلاة فيها وإليها، والطواف بها، ومناجاة من فيها.
- التمسح بجدرانها وتقبيلها والتعلق بها.
- وضع الأستار والعمائم عليها، وإيقاد الشموع والثريات حولها.
ووصفت الفتوى ذلك كله، حين يُفعل تقربًا إلى الله أو تكريمًا للولي، بأنه خروج عن حدود الدين، وإضاعة للأموال في غير فائدة، وتغرير بضعاف العقول، واحتيال على سلب الأموال بالباطل.
تتناول الفتوى الممارسات المحيطة بالقبور: الزخرفة والطواف والتمسح والشموع. وهي لا تتناول الذكر والإنشاد والزيارة بقصد الدعاء والاتعاظ. ومن هنا ينبغي التفريق بين أمرين:
- محبة الصالحين وزيارتهم على وجه الاتعاظ والدعاء، وهذه مساحة تتسع لها آراء أهل العلم.
- المظاهر التي عدّتها الفتوى مخالفة صريحة، كالاستغاثة بالمقبور والتمسح بالجدران وإنفاق الأموال على الزخرفة والإضاءة.
بعد أكثر من ستين عامًا على الفتوى، جاء مولد طنطا ليضعها أمام اختبار الواقع. فقد تحدثت تقديرات منشورة عن دورة العام الماضي عن نحو مليونين ونصف المليون زائر من مختلف أنحاء الجمهورية، ولم تتحول الفتوى إلى مرجع حاكم لهذه الظاهرة، بل بقيت وثيقة في الأرشيف.
غير أن ذلك لا يعني أن المسألة محسومة. فالموالد في مصر تقوم على إطار قانوني، إذ أناط المشرّع بالطرق الصوفية إقامة الموالد والإشراف عليها، على أن تُخطر المشيخة السلطات الإدارية المختصة للترخيص بها. وفي المقابل، أكد مفتي الجمهورية الأسبق الدكتور شوقي علام أن زيارة الأضرحة وأولياء الله الصالحين مشروعة ومحببة. ومازال الأمر موضع سجال فقهي متجدد بين الإباحة والتحريم.
يظل المولد ظاهرة اجتماعية وثقافية بامتياز، تتداخل فيها العاطفة الدينية والموروث الشعبي والاقتصاد الموسمي. وبين من يراه تراثًا حيًّا ومن يراه بابًا للتجاوز، تبقى الحاجة إلى خطاب هادئ يقوم على العلم والتوثيق، بعيدًا عن التهويل والتهكم.



