
بينما تنعقد في العاصمة الإدارية الجديدة فعاليات «منتدى مصر 2026»، المقام من 19 إلى 24 أكتوبر تحت شعار «نظرة لليوم.. رؤية للغد»، بهدف الاستماع إلى آراء المواطنين وشواغلهم في الملفات التي تمس حياتهم اليومية، يعيش العاملون بشركات الكهرباء أزمة صامتة تتفاقم يومًا بعد يوم: رواتب لا تكفي، ووعود لم تتحقق، وكوادر فنية تغادر القطاع بحثًا عن دخل يصون كرامتها.
انتظر العاملون صرف مرتبات أكتوبر على أمل أن تحمل الزيادات التي وُعدوا بها عبر هيكلة الأجور، وهي مطالب تبنتها النقابة العامة مرارًا. لكن الصرف جاء بلا أي تغيير ملموس، لتتحول الآمال إلى إحباط.
ويقول عاملون إن ما يجري تداوله اليوم ليس سوى إعادة تدوير لتسريبات ووعود قديمة، مع تسكين العاملين عليها شكليًا، بينما تبقى كشوف المرتبات على حالها أمام غلاء معيشي لا يرحم.
نزيف الكوادر.. استقالات وانقطاع وإنهاء خدمة
وبحسب مصادر داخل القطاع، فقد بدأت العمالة الفنية، من مهندسين وفنيين وأصحاب حرف، موجة هجرة واسعة عبر الاستقالة أو الانقطاع عن العمل، ما خلّف نقصًا حادًا في العمالة، يضاف إليه الخروج على المعاش والوفيات.
ووصلت الأزمة إلى حد أن مهندسين متعاقدين بنظام المكافأة الشاملة يقدمون استقالاتهم بعد أشهر من استلام العمل، فور اكتشافهم أن راتبهم الشهري لا يتجاوز ثمانية آلاف جنيه إلا بقليل.
وفي شركة شرق الدلتا لإنتاج الكهرباء، إحدى أكبر شركات الإنتاج على مستوى الجمهورية، صدرت قرارات بإنهاء خدمة عدد من المهندسين والفنيين بسبب الاستقالة أو الانقطاع. وتراوحت خبرات المنتهية خدمتهم بين سنوات قليلة وستة عشر عامًا، من محطات السويس وغرب دمياط ودمياط والعين السخنة والشباب وأبوسلطان. كما شملت الاستقالات كيميائيين، فيما تقدم عشرات المهندسين والفنيين باستقالاتهم خلال أكتوبر 2026 وحده، لتتضاعف الأعباء على من تبقى.
ومن أبرز الوقائع الدالة على عمق الأزمة، قيادي بمحطة كهرباء دمياط رُقّي إلى مدير عام التشغيل في مايو 2023، ثم تقدم بعد شهرين بطلب للتنازل عن المنصب والنقل إلى وظيفة كبير مهندسين، ليحصل على إجازة بدون مرتب ويلتحق بعرض خارجي أفضل. ويرى عاملون أن التخلي عن موقع قيادي مقابل فرصة أعلى دخلًا يكشف حجم الخطر الذي لا تراه الدوائر العليا في الوزارة.
غضب بسبب الحوافز وتعيينات المستشارين
وذكرت المصادر أن الشركة القابضة لكهرباء مصر حاولت مؤخرًا تحسين الدخول عبر حزمة حوافز مالية لتشجيع المهندسين على البقاء، إلا أنه تمت الاطاحة بعدد ممن شاركوا في إعدادها، بحسب هذه المصادر، ما صعّد الغضب داخل القطاع، وسط اتهامات بعدم الوفاء بوعود زيادة المرتبات.
وأثار تعيين أكثر من 15 فرداً كمستشارين بشركات الكهرباء، تمهيدًا لتوليهم مناصب رؤساء قطاعات، استياءً واسعًا، إذ يتساءل العاملون: هل أزمة القطاع في قلة المستشارين أم في نزيف العمالة الفنية التي تدير المحطات وتحفظ استقرار التيار؟
صوت العاملين رسالة لمنتدى مصر ؟
وفي وقت يؤكد فيه رئيس الوزراء أن المنتدى لا يستهدف توصيات عامة بل أولويات وطنية وحلولًا قابلة للتنفيذ، وأن الأسعار والتضخم من أبرز محاور النقاش، يطرح العاملون بالكهرباء سؤالًا مشروعًا: كيف تُعالج أولويات المواطن بينما يعجز من يضيئون بيوته عن مواجهة الغلاء بمرتباتهم؟
ويطالب العاملون بإعلان جدول زمني واضح ومُلزم لتطبيق هيكل الأجور الجديد، وبتحرك عاجل من النقابة العامة والجهات المعنية قبل أن يتحول النزيف إلى انهيار في الخبرات يضرب كفاءة التشغيل والصيانة واستقرار الخدمة.
ويبقى الرهان معقودًا على أن يجد صوت العاملين طريقه إلى من يستمعون، فالكهرباء لا تُدار بالشعارات، بل بمن يقفون خلف
المحطات ليل نهار














