
لا شيء أثقل على موظف من انتظار قرار يمسّ دخله وأسرته، وأشدّ منه أن يقضي أيام الانتظار بين خبر يبشّره صباحًا وآخر ينقضه مساءً. هذا بالضبط ما يعيشه آلاف العاملين في شركات الكهرباء في مصر، الذين يتابعون ملف هيكلة الأجور وسط سيل من التسريبات والتصريحات المنسوبة إلى «مصادر مطلعة»، حتى تحوّل حقهم المشروع في المعرفة إلى مادة تُستثمر لجمع المتابعات ورفع نسب المشاهدة.
ويقول عاملون إن المشهد لم يعد مجرد ارتباك معلوماتي، بل صار ما يشبه «المتاجرة بآمالهم»، حيث يوزّع بعض من يقدّمون أنفسهم بوصفهم صحفيين مقرّبين من الإدارة العليا «معلومات حصرية» و«تصريحات خاصة» هنا وهناك، دون سند معلن أو جهة رسمية تؤكدها..
أكتوبر: مزايا جديدة.. بلا أرقام
في مطلع أكتوبر، نقل صحفي يدعى نفسه عليم ببواطن الأمور من مصادره المطلعة أن الشركة القابضة أقرّت ضوابط ومزايا جديدة للعاملين بشركات إنتاج الكهرباء، على أن تتبعها شركات التوزيع وفق القواعد المنظمة. غير أن التقرير .
و لم يتضمن تقرير الاعلامي المقرب رقمًا واحدًا ولا جدولًا زمنيًا. ومع ذلك، يكفي أن يُقال «مزايا جديدة» حتى تنهال التفسيرات والأرقام المتخيَّلة على صفحات التواصل ومجموعات العاملين. وإذا كانت شركات الإنتاج هي الأولى، فمتى تأتي شركات التوزيع وكم عدد العاملين فيها؟ سؤال تُجيب عنه «المصادر المجهولة» كل يوم بإجابة مختلفة.
تضارب ..وخداع
يكفي أن يتابع العامل صفحات التواصل يومًا واحدًا ليجد أمامه أنماطًا متكررة من التضارب:
- خبر صباحي عن بدء التطبيق مع بداية الشهر، يعقبه خبر مسائي عن التأجيل لحين مراجعة الموازنة.
- وروايات عن زيادة شاملة بنسبة كبيرة، وأخرى تقصرها على فئات بعينها، وثالثة تصفها بأنها «مبدئية» وتُصرف على مراحل.
- في الفئات المستفيدة: «تشمل الجميع»، ثم «تستثني بعض الدرجات»، ثم «مرتبطة بسنوات الخدمة والتقييم».
- «مصدر مطلع بالإدارة العليا» ثم «مصدر آخر» ينفي بعد ساعات، دون اسم ولا صفة.
وهي أنماط توضيحية تعكس الصورة التي يصفها العاملون أنفسهم.
النقابة العامة ..تحذر
لم يعد الاستياء حبيس مجموعات العاملين. فقد أصدرت النقابة العامة للعاملين بالمرافق العامة، برئاسة هشام فؤاد، بيانًا ناشدت فيه العاملين بقطاع الكهرباء والصفحات غير الرسمية تحرّي الدقة والموضوعية قبل نشر أو تداول أي تفاصيل تتعلق بالأجور والحقوق المالية، مؤكدة أن تداول أخبار غير دقيقة يترك أثرًا سلبيًا مباشرًا على العاملين وأسرهم وعلى استقرار المناخ الوظيفي في مرفق حيوي.
وكشفت النقابة أنها تقدمت بمقترحات وطلبات رسمية إلى وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة والشركة القابضة بشأن الأجور والحقوق المالية، وأنها تتابع الإجراءات المرتقبة، متعهدة بالإعلان رسميًا عن أي قرار فور صدوره. ولخّصت موقفها في عبارة حاسمة: حقوق العاملين لا تُدار بالشائعات، وملف الأجور لا يقبل الاجتهاد ولا التفسير غير المسؤول عبر الصفحات الوهمية أو غير الرسمية.
وأشار النقابة إلى توجيهات وزير الكهرباء بسرعة الانتهاء من الدراسات اللازمة، وإلى أن الملف يحتل أولوية لديه. لكن البيان، كما نُشر، خلا من أي أرقام أو مواعيد.
تأويل تصريحات عصمت
في تصريحات تلفزيونية متداولة في 10 و11 أكتوبر، تحدث الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، عن دراسة إعادة النظر في شرائح استهلاك الكهرباء وعن تفهمه شكاوى المواطنين من الفواتير، وأشار إلى أن خطة إعادة هيكلة شركات الكهرباء تستهدف تطوير منظومة العمل ورفع كفاءة الأداء وخفض التكاليف. ووجّه الشكر للعاملين بالقطاع على جهودهم في تحسين الأداء وسرعة الاستجابة للأعطال.
غير أن ما نُشر من هذه التصريحات لم يتضمن إعلانًا عن تفاصيل هيكلة الأجور أو قيمتها أو موعدها. وهنا تتجلى المفارقة: «هيكلة الشركات» عنوان إداري وتشغيلي، و«هيكلة الأجور» ملف معيشي، والخلط بينهما يغذي التأويلات. وحتى العناوين نفسها قد تزيد اللبس، فقد عنونت إحدى المواد المصوّرة بأن «وزير الكهرباء يقرّ مزايا جديدة»، بينما نسب متن الخبر الإقرار إلى الشركة القابضة، ولم يورد قولًا مباشرًا للوزير في الموضوع.
تكلفة تجارة الاخبار
ليست المسألة مجرد إزعاج. فتداول معلومات غير دقيقة عن الأجور يترتب عليه:
- توقعات غير واقعية تُبنى على أرقام متخيَّلة، فتتحول إلى صدمة وغضب عند صدور القرار الفعلي.
- قرارات معيشية متسرّعة، إذ قد يرتب عامل التزاماته المالية على زيادة موعودة لم تصدر.
- تآكل الثقة في الإعلام ككل، وفي نقل المعلومة المهنية على وجه الخصوص.
- إضعاف القنوات الرسمية، حين يصبح العامل أقرب إلى صفحة مجهولة منه إلى نقابته أو إدارة شركته.
- بلبلة داخل مواقع العمل في مرفق لا يحتمل التوتر لأنه يمس حياة المواطنين اليومية.
مطالب العاملين
- بيان رسمي واضح بشأن موقف هيكلة الأجور وجدولها الزمني، ولو كان مبدئيًا.
- قناة رسمية معتمدة لإطلاع العاملين على مستجدات الملف أولًا بأول.
- دور أكبر للنقابات واللجان العمالية في نقل المعلومة الدقيقة وتفنيد الشائعات.
- التزام الإعلام والصحفيين بالمصادر الرسمية وبالتسمية الواضحة لمصادرهم.
- توضيح الفارق بين هيكلة الشركات وهيكلة الأجور، وبين شركات الإنتاج وشركات التوزيع، فيما يخص المزايا الجديدة.



