لا يطلب إدريس عبد الجواد الكثير. رجل من عامة الناس، يقطن بالإيجار في قرية بني هارون التابعة لمركز بني سويف، يعول زوجةً وأربعة أبناء في مراحل دراسية مختلفة، ويدفع كل شهر إيجاراً لسقف لا يملكه. في جيبه صك ملكية قطعة أرض داخل الحيز العمراني للقرية، وفي قلبه حلم لا يتجاوز أربعة جدران وسقف يجمع أسرته.
لكن هذا الحلم البسيط تحوّل منذ سبتمبر 2025 إلى كابوس إداري متجدد، لا تنتهي فصوله، ولا يُعرف له أفق.
ثمانية أشهر في متاهة المكاتب
منذ أن وطئت قدما إدريس عبد الجواد عتبةَ أولى الجهات الحكومية طالباً استخراج شهادة الصلاحية تمهيداً لإصدار رخصة بناء، وهو يدور في حلقة مفرغة لا أول لها ولا آخر. مكتب يُحيله إلى مكتب، وورقة تستدعي ورقة، وشهر يمضي خلف شهر، دون أن تتقدم قضيته خطوة واحدة نحو الحل.
السبب الرسمي المُعلن لتعطيل طلبه هو وجود مقترح تعليمي مُدرج على المخطط التفصيلي للقرية يتداخل مع موقع أرضه. غير أن هذا المقترح لم يتجاوز يوماً حدود الورق؛ إذ تجاوزت نسبة البناء الفعلي على الموقع ذاته 90 إلى 100 بالمئة، فضلاً عن أن الجهات التعليمية نفسها سبق أن رفضت الموقع لهذا السبب بالذات، معترفةً ضمنياً بأن المقترح بات أثراً بعد عين.
أوراق كاملة.. وأبواب مغلقة
لم يأتِ إدريس إلى الجهات المعنية بيدين فارغتين. جمع ما طُلب منه من موافقات الجهات المختلفة، واستوفى الشروط المقررة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين أحضر حكماً قضائياً صادراً لصالح جارته في قضية مطابقة لقضيته تماماً، ليُثبت أن ما يطلبه ليس استثناءً ولا فضلاً، بل حق مقرر أقرّه القضاء.
بيد أن الرد الذي تلقّاه من إدارة التخطيط العمراني بالمحافظة جاء صادماً في مضمونه، مثيراً للدهشة في أسلوبه: “ارفع إنت الآخر قضية”.
بهذه الكلمات القليلة، أسدل المسؤولون الباب في وجه مواطن جاءهم حاملاً أوراقه القانونية كاملة، ساعياً إلى بناء بيته بالطريق الرسمي الصحيح، فردّوه إلى أروقة المحاكم بدلاً من أروقة الإدارة.
المفارقة الصارخة: يريد القانون.. فيُدفع إلى المخالفة
هنا تكمن الفضيحة الحقيقية في هذه القضية، وهي فضيحة لا تخص إدريس عبد الجواد وحده، بل تعكس ظاهرة ممنهجة تستحق الوقوف عندها طويلاً.
فهذا المواطن، الذي يصف نفسه بأنه “لست مخالفاً ولا أطلب استثناءً”، يسعى بكل ما أوتي من جهد ووقت ومال إلى الالتزام بالمنظومة القانونية الرسمية، ويرفض رفضاً قاطعاً أن يضع لبنة واحدة دون ترخيص. وفي الوقت الذي تُعلن فيه الدولة المصرية حملاتها المتواصلة لمكافحة البناء المخالف وتقنين الأوضاع، يجد هذا الرجل نفسه في مفترق طرق قسري: إما الانتظار سنوات إضافية في لجة البيروقراطية، وإما البناء دون ترخيص كما يفعل كثيرون لا يُسألون ولا يُحاسبون.
والأشد مرارةً في هذا المشهد أن بعض المسؤولين يُدركون هذه المعادلة جيداً، ويبدو أن ثمة ميلاً ضمنياً — سواء أكان مقصوداً أم نتاج إهمال — نحو دفع المواطن إلى البناء المخالف بدلاً من معالجة الإشكالية الحقيقية المتمثلة في مقترح تعليمي متجمد على الورق منذ سنوات. فحين يبني المواطن مخالفاً، تنتهي المعضلة الإدارية من حيث نشأت، ويتحمل المواطن وحده تبعات قرار اضطُر إليه اضطراراً.
بمعنى أوضح: التعطيل الإداري المتعمد أو المهمل هو في حقيقته تشجيع مبطّن على المخالفة، وهو ما يجعل المسؤولين عن هذا التعطيل شركاء غير مباشرين في كل بناء مخالف يشيد مواطن يائس فقد الأمل في الطريق الرسمي.
التناقض مع توجهات الدولة
تأتي معاناة إدريس عبد الجواد في سياق مفارق تماماً للتوجهات الرسمية المُعلنة؛ إذ تبذل الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي جهوداً مكثفة للحد من ظاهرة البناء المخالف وتشجيع المواطنين على تقنين أوضاعهم وسلوك المسارات الرسمية. وقد صدرت في هذا الشأن تشريعات وقرارات تهدف إلى تبسيط إجراءات التراخيص وإزالة العقبات البيروقراطية.
غير أن ما يجري على أرض الواقع في بني سويف وما يشبهها من محافظات يكشف فجوة واسعة بين الإرادة السياسية العليا وآليات التنفيذ على المستوى المحلي، فجوة يدفع ثمنها مواطنون من أمثال إدريس لا ذنب لهم سوى أنهم آثروا احترام القانون.
صرخة إلى المحافظ
في استغاثته التي وجّهها إلى محافظ بني سويف، لا يملك إدريس عبد الجواد سوى كلمات خارجة من أعماق رجل بلغ به اليأس مبلغاً، لكنه لم يفقد بعدُ ثقته بمن فوقه:
“أسرتي تنتظر بيتاً آمناً، وأولادي يحتاجون إلى مكان مستقر يدرسون فيه، وأنا أتعب كل يوم في دفع إيجار بيت لا أملك فيه شيئاً”
ويختتم استغاثته بكلمات تحمل من الألم بقدر ما تحمل من الإيمان:
“أرجو من معاليكم وبكل ما أوتيتم من إنسانية وعدل أن تنظروا في أمري، وأن تصدروا توجيهاً برفع هذا المقترح التعليمي الذي لم يعد له وجود على أرض الواقع. إلى الله المشتكى، وأنتم نعم المرجع بعد الله”
تساؤلات تبحث عن أجوبة
تطرح قضية إدريس عبد الجواد جملةً من التساؤلات الجوهرية التي تستوجب إجابات شافية من الجهات المعنية:
- لماذا لا تزال المخططات التفصيلية القديمة سارية رغم أن الواقع تجاوزها بالكامل؟
- من المسؤول عن تحديث هذه المخططات لتعكس الوضع الفعلي على الأرض؟
- هل يملك المسؤولون المحليون صلاحية رفع المقترحات التي أصبحت حبراً على ورق دون انتظار إجراءات مركزية مطولة؟
- كيف يُفسَّر الاكتفاء بالرد على مواطن جاء بحكم قضائي بعبارة “ارفع قضية”، وما الرسالة التي يُوجهها هذا الرد لكل من يفكر في سلوك الطريق الرسمي؟
إن قضية هذا المواطن البسيط ليست في جوهرها قضية فرد يريد بيتاً؛ إنها مرآة تعكس خللاً مؤسسياً أعمق، يتمثل في منظومة تراخيص تُعقّد بدلاً من أن تُيسّر، وتُحبّط بدلاً من أن تُشجّع، وتدفع إلى المخالفة بدلاً من أن تُحصّن القانون.
والحل لا يتطلب معجزة؛ يكفي قرار بـمراجعة المخططات التفصيلية التي تجاوزها الزمن، وتفعيل آليات حقيقية لتبسيط التراخيص، ومحاسبة كل من يجعل من مكتبه الحكومي سداً في وجه مواطن يحمل أوراقه القانونية ويبحث عن حق لا عن فضل.
أما إدريس عبد الجواد، فلا يزال ينتظر. وأولاده لا يزالون ينتظرون. والسؤال الآن: هل يتدخل المحافظ ليحسم ما عجزت عنه الإدارة؟







