اقتصادعاجل

رجلٌ في قلب العاصفة.. محمد الاتربي وفنّ تحويل التحديات إلى ذهب


في المصرفية المصرية، ثمة أسماء تُكتب بالحبر العادي، وأخرى تُنقش في سجلات التاريخ الاقتصادي. محمد محمود الاتربي واحدٌ من أولئك الذين اختارهم القدر — أو ربما صنعوا قدرهم بأيديهم — ليقفوا على رأس أكبر مؤسسة مصرفية في مصر، في لحظة بالغة الحساسية، ومفصلية في مسار الاقتصاد الوطني.


من بنك مصر إلى التاج الأهلي

لم يأتِ الاتربي إلى البنك الأهلي المصري من فراغ. فقبل أن يتسلّم مقاليد “عملاق النيل” المصرفي في سبتمبر 2024، كان قد قضى سنوات في بنك مصر — المؤسسة التي أرسى دعائمها الاقتصادي الوطني طلعت حرب — رئيساً لها، يُعيد صياغة هويتها ويُشحذ قدراتها. خبرةٌ تمتد لأكثر من أربعين عاماً في القطاع المصرفي، لا تعني بالضرورة أن الرجل يعرف كل الإجابات، بل تعني أنه يُتقن فن طرح الأسئلة الصحيحة في الوقت المناسب.

حين أصدر رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي قراره رقم 3008 لسنة 2024 بإعادة تشكيل مجلس إدارة البنك الأهلي، ليتولى الاتربي منصب الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب، كان الاختيار أبعد من مجرد ترقية وظيفية. كان ذلك رهاناً استراتيجياً على رجل يُجيد تحريك رقعة الشطرنج الاقتصادية بعقل بارد وخطوات محسوبة.


أرقامٌ لا تكذب

يروي البنك الأهلي المصري قصة نجاحه بلغة الأرقام، وهي لغةٌ لا تعرف المجاملات. منذ أن جلس الاتربي على كرسي القيادة، بدت المؤشرات المالية كأنها تنتفض من سبات.

إجمالي الأصول قفز إلى ما يناهز 9 تريليونات جنيه، بعد أن كانت 6.8 تريليون في منتصف 2024 — رقمٌ يُجسّد وحده ثقلاً اقتصادياً يوازي دولاً بأكملها. أما محفظة الودائع فبلغت 5.6 تريليون جنيه، في حين تجاوزت محفظة القروض 4.5 تريليون جنيه، مما يعني أن البنك يضخّ دماً اقتصادياً في شرايين الصناعة والتجارة والبنية التحتية.

لكن الرقم الأكثر إدهاشاً جاء على صعيد الأرباح؛ إذ سجّل البنك أرباحاً قبل الضرائب بلغت 242.72 مليار جنيه بنهاية سبتمبر 2025، فيما بلغ صافي الأرباح 133.3 مليار جنيه في عام 2024 بنمو هائل وصل إلى 89% — إنجازٌ وصفه المراقبون بالقياسي بكل المقاييس. وفي النصف الأول من عام 2025 وحده، ارتفع صافي الأرباح إلى 93.5 مليار جنيه بنمو 32.4%.

ولا يكتفي الاتربي بهذا؛ فالبنك الأهلي يمتلك حصة سوقية على مستوى البنوك العاملة في مصر تبلغ 48%، وهو رقم يؤكد أن المصريين وثقوا بهذه المؤسسة بأموالهم ومدخراتهم وآمالهم.


سيد القروض المشتركة

لا تتوقف قصة الاتربي عند الأرقام المحلية. فعلى الساحة الإقليمية، رسم البنك الأهلي حضوراً لافتاً في عالم التمويل الدولي. في عام 2024 وحده، أدار البنك 32 قرضاً مشتركاً بقيمة إجمالية 6.5 مليار دولار، مما جعله لاعباً محورياً في تمويل مشروعات الطاقة والبنية التحتية والنقل في مصر وأفريقيا والشرق الأوسط. وامتدت هذه الريادة إلى الربع الأول من 2025، حيث قاد البنك 10 قروض مشتركة إضافية بقيمة 5.5 مليار دولار.

هذه الأرقام ليست مجرد صفقات تجارية؛ إنها صفقات تبني جسوراً ومحطات كهرباء وشبكات نقل، تُغير ملامح حياة الملايين.


رائدٌ في الشمول المالي

يُؤمن الاتربي بفلسفة تقول إن “نجاح القطاع المصرفي لا يُقاس فقط بحجم الأرباح، بل بمدى قدرته على الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً”، وهي فلسفة ترجمها إلى أفعال ملموسة على أرض الواقع.

تحت قيادته في مختلف المناصب، شهد الشمول المالي في مصر طفرة غير مسبوقة؛ إذ ارتفع الشمول المالي للمرأة من 9.1% عام 2016 إلى 71.4% بنهاية عام 2025 — قفزةٌ نوعية تعكس تحولاً اجتماعياً عميقاً. وارتفع شمول الشباب من 36.3% عام 2020 إلى 56.8%، في حين فُتحت نحو 9.8 مليون حساب بنكي جديد خلال سنوات التحول.

أما المحافظ الرقمية للهاتف المحمول، فقد وصلت إلى 60 مليون محفظة بنهاية عام 2025 — رقمٌ يُغيّر معادلة الوصول إلى الخدمات المالية ويُدمج فئات واسعة كانت خارج المنظومة المصرفية. وفي يوليو 2025، وقّع البنك اتفاقية تمويل بقيمة 50 مليون دولار مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، لدعم المشروعات متناهية الصغر في المناطق المحرومة من الخدمات المالية.


الرقمنة: رهان المستقبل

يُدرك الاتربي أن بنك اليوم ليس بنك الغد. لذا، فإنه يقود مسيرة التحول الرقمي بخطى واثقة. في أبريل 2026، كشف عن خطة البنك لإطلاق بنك رقمي قبل نهاية العام الجاري، يكون امتداداً طبيعياً للبنك وليس كياناً مستقلاً — نموذجٌ يجمع بين عراقة المؤسسة وحداثة التقنية.

ولم تكن هذه الخطوة وليدة اللحظة. فقد أسهم التحول الرقمي الذي قاده في تغيير بنية الاقتصاد؛ حيث أكد الاتربي أن توسّع المنظومة الرقمية أسهم في رفع الحصيلة الضريبية للدولة إلى تريليوني جنيه، بزيادة 658 مليار جنيه ونسبة نمو 36% — دليلٌ ملموس على أن الاقتصاد الرقمي ليس رفاهية تقنية، بل أداة تنموية بامتياز.


من القاهرة إلى الرياض

في أكتوبر 2025، وسّع البنك الأهلي حضوره الإقليمي بافتتاح أول فرع له في المملكة العربية السعودية — خطوة تُؤسس لحضور مصرفي مصري على أرض الجزيرة العربية، وتُعمّق التكامل الاقتصادي العربي. كما عزّز الاتربي مكانته الإقليمية بتوليه رئاسة اتحاد المصارف العربية، لتمتد تأثيراته من ضفاف النيل إلى سائر العواصم العربية.


الاعتراف الدولي

حين تختار مجلة فوربس الشرق الأوسط محمد الاتربي ضمن قائمة أقوى الرؤساء التنفيذيين في المنطقة لعام 2025، وحين تُكرّمه مجلة Global Business Finance كأفضل رئيس تنفيذي في مصر لعام 2025، فإن ذلك ليس مجاملة، بل هو انعكاسٌ لمؤشرات أداء موثّقة وإنجازات مرقّمة لا تقبل الجدل.

البنك الأهلي المصري حصد في عام 2025 وحده أكثر من 17 جائزة دولية، وهي تاجٌ يُزيّن جبهة مؤسسة تؤمن أن التميّز ليس حادثة عرضية، بل نتيجة لاستراتيجية محسوبة وعمل متواصل.


الرجل خلف المؤسسة

ما الذي يجعل محمد الاتربي مختلفاً عن غيره من القادة المصرفيين؟

ربما هو ذلك المزيج النادر بين عقلية المصرفي المحترف الذي يرى في الأرقام شعراً، وروح القائد الذي يُؤمن أن البنك ليس مجرد مؤسسة تجمع الأموال، بل شريكٌ في بناء الأمم. رجلٌ يجلس في مؤتمرات الشمول المالي ويتحدث عن الفقراء والمرأة الريفية والشاب الباحث عن فرصة، ثم يعود إلى مكتبه ليُغلق صفقات تمويلية بمليارات الدولارات.

في عصر التحولات المتسارعة والمنافسة الشرسة من شركات التكنولوجيا المالية الناشئة، يقف الاتربي على جسر بين عالمين: ماضٍ راسخ تجاوز قرن من العمر، ومستقبل رقمي يطرق الأبواب بقوة. ومهارته تكمن في أنه يُمسك بيديه كلا العالمَين، دون أن يسقط أيٌّ منهما.


محمد الاتربي ليس فقط رئيساً لأكبر بنك في مصر؛ إنه الرجل الذي يُعيد رسم خريطة العمل المصرفي في بلد يعيش على وقع التحولات الكبرى. وفي نهاية المطاف، قد يكون أعظم إنجازاته ليس في صفحات الميزانية، بل في الملايين من المصريين الذين وجدوا — لأول مرة — بنكاً يُكلّمهم بلغتهم.

زر الذهاب إلى الأعلى